أحمد الشرباصي

37

موسوعة اخلاق القرآن

ولقد روى الإمام الغزالي أن ميمون بن مهران جاءته جارية له بطعام ساخن ، فوقع إناء الطعام من يدها ، فأصاب سيدها شيء منه ، فقال لها غاضبا : أحرقتني . فأجابته : يا معلّم الخير ومؤدب الناس ، ارجع إلى ما قال اللّه تعالى . فقال : وما قال اللّه تعالى ؟ : قالت : لقد قال « وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ » . فقال كظمت غيظي . قالت : « وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ » . قال : قد عفوت عنك قالت : زد فإن اللّه تعالى يقول : « وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » . قال : أنت حرة لوجه اللّه تعالى . وإذا كان الرسول الأعظم محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - هو المثل الأعلى لكل مسلم ، فان أخلاقه كذلك هي القدوة السامية التي لا تشبهها قدوة في مكارم الأخلاق وفضائل الشيم . ولقد سئلت السيدة عائشة - رضي اللّه عنها - عن أخلاقه ، فأجابت : كان خلقه القرآن . والقرآن يطلب إلى الرسول الكريم أن يستمسك بخلق العفو ، فيقول له في سورة آل عمران : « فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ » . ويقول في سورة المائدة : « فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ » . ويقول في سورة الأعراف : « خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ » . وإذا كان بعض المفسرين قد فسر قوله تعالى : « خُذِ الْعَفْوَ » ، بقوله : اقبل السهل الميسور منهم ، فان كثيرا من المفسرين قد قالوا إن معنى ذلك هو تعاطي العفو عن الناس ، أي اعف عمن يليق به العفو منهم . ولقد ضرب رسول اللّه - عليه صلوات اللّه وسلامه - أروع المثل في الحلم والصفح ، حتى رووا أنه كان أحلم الناس وأرغبهم في العفو مع القدرة ، ولقد جاء في سيرته العاطرة أنه كان يقسم للناس ذات يوم ، فقال رجل من أهل البادية فيه فظاظة : يا محمد ، واللّه لئن أمرك اللّه أن تعدل ، فما أراك تعدل ، فأجاب النبي : ويحك ، فمن يعدل عليك بعدي ؟ . وانصرف الرجل ، فقال الرسول في عفو رائع : ردّوه عليّ رويدا .